فخر الدين الرازي
180
تفسير الرازي
عن الكسائي : زعمت به تزعم زعماً وزعامة . أي كفلت به ، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : " الزعيم غارم " . فإن قيل : هذه كفالة بشيء مجهول ؟ قلنا : حمل بعير من الطعام كان معلوماً عندهم ، فصحت الكفالة به إلا أن هذه الكفالة مال لرد سرقة ، وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم . قوله تعالى * ( قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الاَْرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ ) * . قال البصريون : الواو في * ( والله ) * بدل من التاء والتاء بدل من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل . قال المفسرون : حلفوا على أمرين : أحدهما : على أنهم ما جاؤوا لأجل الفساد في الأرض لأنه ظهر من أحواله امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس ، حتى روي أنهم كانوا قد سدوا أفواه دوابهم لئلا تعبث في زرع ، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ، ومن كانت هذه صفته فالفساد في الأرض لا يليق به . والثاني : أنهم ما كانوا سارقين ، وقد حصل لهم فيه شاهداً قاطع ، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها ، والسارق لا يفعل ذلك البتة ثم لما بينوا براءتهم عن تلك التهمة قال أصحاب يوسف عليه السلام : * ( فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ) * فأجابوا و * ( قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ) * قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ، والمعنى جزاء هذا الجرم من وجد المسروق في رحله ، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم ، والمعنى : أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم ، قال الزجاج : وفيه وجهان : أحدهما : أن يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره . والمعنى : جزاء السرقة هو الإنسان الذي